ابن ميثم البحراني

48

شرح نهج البلاغة

فلا بدّ وأن ينحرف به الضلال عن سواء الصراط إلى أحد جانبي التفريط والإفراط . وملازمة هذه الشرطيّة أيضا ظاهرة . لأنّ وجود الهدى لمّا استلزم وجود استقامة بالإنسان على سواء السبيل كان عدم استقامة الهدى به مستلزما لعدم الهدى المستلزم لوجود الضلال المستلزم للجرّ بالإنسان إلى مهاوي الردى ، والعدول به عن الصراط المستقيم إلى سواء الجحيم . العاشر : ألا وإنّكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد . قوله : ألا وإنّكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد . وهو تنبيه على ملاحظة الأوامر الواردة بالظعن كقوله تعالى « فَفِرُّوا إِلَى الله إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » ( 1 ) وكقوله تعالى « سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » ( 2 ) على الأمر باتّخاذ الزاد كقوله تعالى « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى » ( 3 ) وأحسن باستعارته الظعن للسفر إلى اللَّه واستعارة الزاد لما يقرّب إليه . ووجه درجه الاستعارة الأولى : أنّ الظعن لمّا كان عبارة عن قطع المراحل المحسوسة بالرجل والجمل ونحوه فكذلك السفر إلى اللَّه عبارة عن قطع المراحل المعقولة بقدم العقل ، ووجه الثانية أنّ الزاد لمّا كان إنّما يعدّ لتقوى به الطبيعة على الحركة الحسّية وكانت الأمور المقرّبة إلى اللَّه تعالى ممّا تقوى به النفس على الوصول إلى جنابه المقدّس كان ذلك من أتمّ المشابهة الَّتي يقرّب معها اتّحاد المتشابهين . وبحسب قوّة المشابهة يكون قوّة حسن الاستعارة . الحادي عشر : التنبيه على أخوف الأمور الَّتي ينبغي أن تخاف لتجتنب وهو الجمع بين اتّباع الهوى وطول الأمل . وسيذكر عليه السّلام هذا الكلام في موضع آخر مع ذكر علَّة التحذير من هذين الأمرين ، وسنوضح معناه هناك . ويكفى هاهنا أن يقال : إنّما حذّر منهما عقيب التنبيه على الظعن والأمر باتّخاد الزاد لكون الجمع بينهما مستلزما للإعراض عن الآخرة فيكون مستلزما لعدم الظعن وعدم اتّخاذ الزاد . فخوّف منهما ليجتنبا . فيحصل مع اجتنابهما الإقبال على اتّخاذ الزاد والأهبّة للظعن ولذلك أردف التخويف منهما بالأمر باتّخاذ الزاد . وفي قوله : من الدنيا في الدنيا لطف . فإنّ الزاد الموصل إلى اللَّه تعالى إمّا علم أو عمل وكلاهما يحصلان من الدنيا : أمّا العمل

--> ( 1 ) 5 - 50 ( 2 ) 57 - 21 ( 3 ) 2 - 193